ابن قيم الجوزية

295

الروح

فصل قولكم في الرابع عشر : لو كانت النفس جسما لكان بين تحريك المحرك رجله وبين إراداته للحركة زمان . إلى آخره . جوابه : أن النفس مع الجسد لا تخلو من ثلاثة أحوال ، إما أن تكون لابسة لجميعه من خارج كالثوب ، أو تكون في موضع واحد كالقلب والدماغ أو تكون سارية في جميع أجزاء الجسد ، وعلى كل تقدير من هذه التقادير فتحريكها لما نريد تحريكه يكون مع إراداتها لذلك بلا زمان كإدراك البصر لما لا يلاقيه وإدراك السمع والشم والذوق ، وإذا قطع العضو لم ينقطع ما كان من جسم النفس متخللا لذلك العضو سواء كانت لابسة له من داخل أو من خارج بل تفارق العضو الذي بطل حسه في الوقت وتتقلص عنه بلا زمان ويكون مفارقتها لذلك العضو كمفارقة الهواء للإناء إذا ملئ ماء ، وأما إن كانت النفس ساكنة في موضع واحد من البدن لم يلزم أن تبين مع العضو المقطوع ، وأما إن كانت لابسة للبدن من خارج لم يلزم أن يكون بين إرادتها لتحريكه ونفس التحريك زمان بل يكون فعلها حينئذ في تحريك الأعضاء كفعل المغناطيس في الحديد وإن لم يلاصقه . ثم نقول هذا الهذيان الذي شغلتم به الزمان وارد عليكم بعينه فإنها عندكم غير متصلة بالبدن ولا منفصلة عنه ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه فيلزمكم مثل ذلك . فصل قولكم في الخامس عشر : لو كانت جسما لكانت منقسمة ، ولصح عليها أن تعلم بعضها وتجهل بعضها فيكون الإنسان عالما ببعض نفسه جاهلا بالبعض الآخر . جوابه : أن هذه الشبهة مركبة من مقدمتين تلازمية واستثنائية والمنع واقع في كلا المتقدمتين أو إحداهما فلا نسلم أنها لو كانت جسما لصح أن تعلم بعضها وتجبل بعضها ، فإن النفس بسيطة غير مركبة من هذه العناصر ولا من الأجزاء المختلفة فمتى شعرت بذاتها شعرت بجهلها ، فهذا منع المقدمة التلازمية . وأما الاستثنائية فلا نسلم أنها لا يصح أن تعلم بعضها حال غفلتها عن البعض الآخر ولم تذكروا على بطلان ذلك شبهة فضلا عن دليل ، ومن المعلوم أن